في مساء الرابع من أكتوبر2017 هبطت الكابتن "شايستا وايز" ذات الثلاثين ربيعاً في مدرج دايتونا بيتش بولاية فلوريدا معلنةً إكمال رحلتها حول العالم ومحققةً رقماً قياسياً كـ "أصغر طيارة في العالم، وأصغر امرأة في التاريخ تحلق منفردة حول العالم بطائرة ذات محرك واحد"، لم تكن "شايستا وايز" تحقق رقماً قياسياً فحسب، بل ارادت بذلك أن تكتب رسالة من فوق السحاب: أن الأحلام لا وطن لها، وأن الفتاة التي وُلدت في مخيم للاجئين يمكنها أن تعانق السحب، ومهما كانت المعاناة فليس هناك مستحيل.
تحقق حلم شايستا وايز.. الطيران حول العالم في 145 يوماً
رحلة شايستا وايز حول العالم استغرقت 145 يوماً، لكن رحلتها الحقيقية لم تبدأ فوق المحيطات والقمم الجليدية، بل بدأت قبل ذلك بسنوات، على متن طائرة تجارية، كانت تجلس فتاة في السابعة عشرة من عمرها بين مقاعد الدرجة الاقتصادية وهي تخاف المرتفعات، تغالب رعبها من سقوط الطائرات، وهنا كانت اللحظة الفارقة في حياتها، لتكتشف أن الخوف الحقيقي ليس من التحليق، بل من البقاء على الأرض حبيس الأحلام.
رسالة إنسانية من شايستا وايز إلى فتيات العالم
لم تكن رحلتها حول العالم انجازاً شخصياً، فحلمها الشخصي عندما اصبحت "أول إمرأة أفغانية تحصل على شهادة طيار مدني"، أرادت وايز من رحلتها ان تكون مشروعاً إنسانياً بامتياز، وأن توصل رسالة واضحة الى فتيات العالم مفادها أن : "الفتيات قادرات على اقتحام مجالات العلوم والتكنولوجيا والطيران".
في كل محطة من محطاتها الثلاثين في 22 دولة، كانت وايز تلهم آلاف الفتيات وتزرع بذور الأمل في قلوبهن بقولها : "إذا كنتُ أنا ابنة المخيم أستطيع، فأنتن أيضاً تستطعن".
كانت تنظر في عيون الأطفال الذين اصطفوا حاملين الأعلام الصغيرة، وترى انعكاس صورتها قبل سنوات، حين كانت طفلة أفغانية تخاف من الطائرات.
حين توظف المعاناة كـ وقوداً للحلم لا عائقاً
لم تكن شايستا تسير في طريق مفروش بالورود. فالانتقادات كانت تسبق خطواتها، والتعليقات الجارحة ترافق أحلامها. "ماذا تفعلين؟ هل أنت جادة في هذا؟" كان هذا السؤال يتكرر كثيراً. في مجتمعها الأفغاني التقليدي، وفي حيها الفقير في ريتشموند بكاليفورنيا، لم يكن أحد يأخذ حلمها على محمل الجد. لكنها تعلمت باكراً أن الصدى لا يصنعه الذين يصرخون بأعلى صوت، بل الذين يمشون في طريقهم بصمت وإصرار.
التحدي الأكبر كان التكلفة الباهظة للتعليم. كانت تدرس في جامعة إمبري-ريدل للطيران حيث التكاليف تصل إلى 25 ألف دولار سنوياً. كثيراً ما توقف تدريبها، لا بسبب نقص الموهبة أو العزيمة، بل لأن البحث عن منحة دراسية كان يستغرق وقتاً أطول من وقت التدريب نفسه. كانت مضطرة أن تشرح للناس المتعجبين لماذا لم تصبح طيارة بعد: "الوصول إلى قمرة القيادة يستغرق وقتاً، معظم الطيارين شعرهم أبيض، لأن الرحلة طويلة".

دائرة النور: حين تصبح القدوة أنت
ربما كان أكثر ما يؤلمها في بداية الطريق هو غياب من تقتدي بهن. فالنساء لا يشكلن سوى 6% من طياري العالم. في تلك العزلة، وُلد قرار مصيري: إذا لم أجد من يضيء لي الطريق، سأكون أنا النور لمن يأتين بعدي.
أسست برنامجاً إرشادياً للنساء، تطور ليصبح منظمة "دريمز سوار" غير الربحية عام 2014. كانت تحلم بتمكين النساء حول العالم في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات والطيران. استلهمت من الطيارة الراحلة جيري موك، أول امرأة تحلق منفردة حول العالم عام 1964، والتي أرسلت لها قبل وفاتها رسالة صغيرة: "شايستا، هبوطاً سعيداً في المطارات البعيدة". لم تكن تعلم جيري أنها تهدي الشعلة لمن ستكمل المسير.
العودة إلى الجذور: لقاء مع الوطن والفتيات المنتظرات
في العاشر من يوليو 2017، كانت شايستا على متن طائرة متجهة إلى أفغانستان، لأول مرة منذ 29 عاماً. كانت المشاعر متضاربة: هل سيتقبلها شعبها؟ هل سيحكمون عليها لكونها امرأة تطير؟ لكنها فوجئت بمجموعة من الفتيات الأفغانيات يرتدين بدلات طيران وهمية، ينتظرنها بفارغ الصبر. كن يحلمن بأن يصبحن طيارات، وانضممن إلى الجيش أملاً في تحقيق هذا الحلم، رغم أن هذه الفرص نادرة وتُمنح عادة للرجال.
قبل وصولها بأسبوعين فقط، تعرضت السفارة الألمانية في كابول لهجوم إرهابي دموي. لكن شايستا لم تتردد. التقت بالرئيس أشرف غني، وأخبرته عن حلمها بإنشاء مدرسة متخصصة في العلوم والتكنولوجيا للفتيات الأفغانيات. رأت أن التحديات اليومية التي يواجهها الشعب الأفغاني لا يجب أن تكون سبباً لحرمان الفتيات من أحلامهن.
الإرث الذي لا يُنسى
اليوم، بعد سنوات من تلك الرحلة التاريخية، ورغم أن رقمها القياسي تم تحطيمه لاحقاً على يد الطيارة البلجيكية زارا روذرفورد، تبقى قصة شايستا واعز مختلفة. لم تكن قصتها مجرد رقم في سجل الأرقام القياسية، بل كانت قصة آلاف الفتيات اللواتي نظرن إلى السماء وقلن: "إذا استطاعت هي، فأنا أيضاً أستطيع".
في كل فتاة تقرر اليوم دراسة الهندسة أو الطيران أو العلوم، هناك بصمة من تلك الرحلة التي استغرقت 145 يوماً حول العالم. في كل امرأة تتحدى التوقعات المجتمعية وتطارد شغفها، هناك جزء من شايستا التي قالت للعالم بصوت هادئ: "لم أشعر قط بأنها رحلة منفردة". لأن من يسعى لنور الحقيقة، يحمل معه آلاف الأرواح على جناحيه.
تم تحديث الخبر في الساعة 10:45 صباحاً




